خواطر (1) 

شارك المقال على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp
خواطر (1) 

‏تضحية إكسيرية..

• هذه إيران الشيعية اليوم تذكرنا بالتضحيات التي بذلها الشيعة الأوائل لنشر عقيدة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، فما لا يعرفه كثير من الناس أن إيران هذه كانت في زمن مضى بلادا شديدة النصب والعداء لآل بيت النبي صلى الله عليه وآله حتى أن التاريخ ينقل لنا أن أهلها كانوا وحدهم من بين كل الشعوب الإسلامية الذين رفضوا الانصياع لقرار الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (لعنة الله عليهما) بمنع خطباء المنابر من سب الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وقد حاولوا مساومة الخليفة على إبقاء هذه "السنة" السيئة لقاء زيادة ما يدفعونه من ضرائب وخراج! وكانوا مستعدين لهذه "التضحية" بأموالهم من أجل المحافظة على نصبهم وعدائهم وعدم تغيير هذه الثقافة والتقاليد الناصبية في مجتمعهم! ولنتخيل الآن كيف طرأت كل هذه التحولات على هذا الشعب بحيث انتقل من أقصى حالات النصب إلى أقصى درجات الولاء والعشق لأهل بيت المصطفى (صلوات الله وسلامه عليهم) كما هم عليه الآن.

إن ذلك لم يحدث بفعل معجزة قاهرة، بل بفعل تضحيات جمة من الشيعة الأوائل الذين أرخصوا أنفسهم وكل ما يملكون في سبيل إظهار الحق ودفع الشعب الإيراني إلى حياض الإسلام والتشيع والولاية، ولا شك أن هذه المهمة كانت صعبة على أولئك الرجال ولا ريب أنها استغرقت أعواما عدة واستنزفت جهودا كثيرة كما ينقله التاريخ نفسه بتفصيل لا حاجة لذكره الآن، ولكن شاهدنا هو أنه لو أمكننا صنع مثل أولئك الرجال اليوم لغزى التشيع العالم كله، خاصة وأنه شتان مابين موقفنا اليوم وموقف أسلافنا المجاهدين، فلا الضغط الذي كان واقعا عليهم يوازي الواقع علينا اليوم إذ يتعداه بألوف الأحمال بل لا وجه للمقارنة بين القهر الذي كانوا يعانون منه والقليل من المناوئة التي نتعرض لها اليوم! ولا الإمكانيات الهائلة التي وفرها لنا عالم التكنولوجيا والمعلوماتية اليوم كان لهم ما يماثلها بل كانت أدواتهم التبليغية بسيطة وبدائية لأبعد حد!

والحق أن ما ينقصنا ليس سوى همة الرجال ومثابرة النساء فإن ذلك لو توفر مضافا إلى عوامل مهمة أخرى لوصلنا إلى ما نبتغي. إن التضحية والإيمان بضرورتها ستؤدي إلى تحويل المجتمعات تحويلا جذريا من التسنن الأموي إلى التشيع العلوي، كما يفعله الإكسير. فما أروع أن أكون أنا وأنت ممن يصنعون هذا ”الإكسير“!


قوة لا عنف..

• القوة ليست عنفا، واللجوء لها في بعض الموارد ضروري، وإن لها مشروعيتها المستقاة من الآية الشريفة: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). أما العنف فهو استخدام القوة في غير محلها، وهو خلاف الحكمة قطعا، أما الحرص على أن يكون أسلوبنا في مواجهة خصومنا أسلوبا قويا شجاعا جريئا فذلك مما تقضتيه الحكمة ويحكم به العقل وينسجم مع حكمة أن (الهجوم خير وسيلة للدفاع) كما يوضحه التوجيه العلوي السامي: "اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غُزي قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا".

من هنا يجب أن نفهم ضرورة إعادة صياغة الخطاب الشيعي وإعادة ترتيب مفرداته إذ لا ينبغي أن ينحصر هذا الخطاب في دائرة الدفاع وكأننا سنبقى متَّهمين إلى أبد الحياة، بل اللازم إعادة توجيه الخطاب باتجاه الهجوم العقلاني المبني على الحقائق الموضوعية عقائديا وفكريا وثقافيا لتحقيق التفوّق على الخصم المخالف الذي استغل سلبية خطابنا في إبقاء عملية التجهيل للأمة. وما نتوخاه ليس إلا لأن يتحقق التوازن في الخطاب والعمل الشيعي بين الهجوم والدفاع، انطلاقا من حقيقة أن ذلك التوازن هو ما يشكل الردع الملائم لكل محاولات التشويه الذي تتعرض له العقيدة الحقة.


تعددية لا ذوبان..

• ليس معنى الإيمان بالتعددية الفكرية والدينية أن تتخلى عما تؤمن به لإرضاء الطرف الآخر. إن هذا الفهم بعيد كل البعد عن المفهوم الحقيقي للتعددية، وإن من أعجب ما رأيت هو أن أولئك الذين يحرصون على الظهور بمظهر دعاة التعددية يفرّغون عقولهم من كثير من عقائدهم وأفكارهم سعيا منهم للتوائم مع الفئات والطوائف الأخرى، وهذه ليست تعددية بل ذوبانا وتفكيكا للذات في مقابل الآخر.

أن تكون مؤمنا بالتعددية وبحق الآخرين في إظهار ما يؤمنون به من عقائد فإن ذلك لا يمنع أن تكون في الوقت نفسه متشبثا بصلابة بعقيدتك وثقافتك وإلا فما فائدة طرح التعددية إذا كان المطلوب من كل طرف أن يتنازل عن هويته؟؟ إن قيمة التعددية جاءت كتأطير لموضوع الاختلاف البشري لا كمعالجة تهدف إلى إنهاء هذا الاختلاف، ليبق الاختلاف إلى جانب التعددية وهذه هي الصيغة المثلى للترابط الإنساني، وعلى أهل التشيع والولاية اليوم أن يعوا أكثر من أي وقت مضى أن تمسكهم بثوابتهم الدينية لا يعاكس تواصلهم الإنساني مع الغير، ولن يحول دون تحقيق ترابطات وعلاقات إيجابية مع شتى الأطراف، فبمقدار ما تكون واثقا من نفسك ومتمسكا بمبادئك بمقدار ما يحترمك الآخرون. ومن الضرورة بمكان أن نستوعب جميعا حقيقة أن قيمتنا كشيعة هي في إصرارنا على عقائدنا الحقة وثقافتنا السامية وشعائرنا الحضارية، ولا يجب أن نشعر أبدا بالخجل أو الاستحياء من إبدائها لمجرد كونها متعارضة مع قناعات الآخرين، لأن الخلل ليس في عقيدتنا وثقافتنا وشعائرنا، إنما في تلك القناعات المغلوطة التي تكونت لدى الآخرين في أغلب الاحيان بفعل أوهام أو جهالات أو عقد نفسية. يجب على الشيعي أن يرفع رأسه عاليا ويفخر بأئمته صلوات الله عليهم وبتراثه وبحضارته، فيما على الآخرين أن يطئطئوا رؤوسهم له احتراما.


عقيدة لا مذهب..

• لست أميل كثيرا لاستخدام مصطلح "المذهب الجعفري" أو حتى"المذهب الشيعي" أو "مذهب أهل البيت"، إن هذا المصطلح خاطئ من الناحية الشرعية والعلمية في آن، فكلمة (مذهب) معناها بالأساس ما يذهب إليه المرء في اجتهاداته وآرائه الفقهية، وهذا لا ينطبق على أهل البيت عليهم الصلاة والسلام فإن ما كان يجري على ألسنتهم الشريفة لم يكن اجتهادا منهم، بل تبليغا عن الله جل جلاله كونهم أئمة معصومين. ومضافا إلى ذلك فإن كلمة (مذهب) تعطي دلالة على إمكان احتمال الخطأ في بعض ما يذهب إليه فلان من اجتهادات، وهذا باطل بالنسبة للأئمة المعصومين عليهم الصلاة والسلام إذ لا يجوز نسبة الخطأ إليهم.

وإذا تتبعنا تراثنا الروائي، لما وجدنا لهذه المفردة أثرا في نصوص المعصومين عليهم السلام على الإطلاق. ولهذا يتوجب أن نبتعد عن هذا التعبير وأن نتحاشى استخدام هذا المصطلح، وأن نحل محله مصطلحات سليمة مثل: عقيدة أهل البيت أو العقيدة الشيعية. كما أن تخصيص النسبة إلى الإمام الصادق صلوات الله عليه فيه كثير من التجني، إذ ليس من دليل شرعي يقودنا إلى الفصل حتى على مستوى التعبير بين الإمام وسائر المعصومين صلوات الله عليهم، وعندما نقول: "مذهب الإمام الصادق" فكأننا نقول أيضا: "مذهب رسول الله" لأن الصادق هو المصطفى من ناحية التشريع، لا فرق بينهما كما لا فرق بين المعصومين جميعا (عليهم السلام) من هذه الناحية إطلاقا. فهل أن لرسول الله مذهب؟! بالطبع لا.. فكيف أصبح للصادق – الإمام المعيّن من الله – مذهب أيضا والحال أن ما عدا أحكامه باطل قطعا؟!

في الواقع إن نشأة هذا المصطلح "المذهب الجعفري" كانت على يد المخالفين وبعض من حاولوا إدراج أهل التشيع والولاية في عداد أهل المذاهب العامية الأخرى لشعورهم بالنقص المتزايد وفقدان الشرعية! وهذا الأمر يزيد من الحاجة إلى تحاشيه.


دين محرف يجر ندما..

• ليس بيننا وبين أهل العامة خلاف فطري أو تنافر ذاتي، نحن نحبهم ولا نكرههم، نريد لهم الخير ولا نريد لهم الشر. غاية ما في الأمر أننا نعتبرهم ضحية سياسات التجهيل والتضليل التي اتبعتها حكومات قريش منذ أربعة عشر قرنا بكل خبث ومكر، والتي أدت إلى عزلهم عن ولاة أمرهم الشرعيين آل المصطفى (صلوات الله عليهم) وإحلال ولاة مزيفين محلهم، وقد صاغوا لهم دينا آخر غير الذي جاء به محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من عند الرب جل وعلا، ولا تتوقف تبعات استقرار وبقاء هذا الدين المزيف عند حد، فإن الذين التزموا به سيجدون أنفسهم في نهاية المطاف خاليي الوفاض، وأعني أنهم يوم القيامة سيتحسرون ويندمون على أن شيئا من أعمالهم لن يكون مقبولا، وهذا بالطبع سيعرضهم إلى خطر الإلقاء في النار حسب موازنة العدالة الإلهية إذ يقول جل وعلا: "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" وقد شرح مولانا الصادق (صلوات الله عليه) معنى الآية إذ قال: "هو الإسلام الذي فيه الإيمان". (الهداية للصدوق ص56).

ليس هذا فحسب؛ فإن بقاء هذا الدين المنحرف تسبَّب ومازال في مضاعفات سلبية كبيرة تمس واقع الأمة الدنيوي أيضا، حيث قد كبّل حركة الأمة نحو التطور والتحضر وجعلها رهينة التخلف والجمود، ويمكننا ملاحظة ذلك على سبيل المثال عبر مقارنة التعامل السياسي بين الدينين أو الإسلاميين، ففي حين يشجّع الإسلام الحقيقي أي إسلام أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) على الثورة على الظالمين والتصدي لكل سلطان جائر لئلا يستمر في جوره ويتسبب في وقوع مزيد من الضحايا، نجد الإسلام المزيف أي إسلام الخلفاء يروّض الناس على مبدأ الطاعة لكل حاكم وولي أمر بَرّا كان أم فاجرا أم ظالما!! وكان من نتاج ذلك طبيعيا ظهور كل هذه الدكتاتوريات التي تحكمت في الأمة طوال التاريخ حتى يومنا الحالي، والتي لا يمكن حصر المآسي التي تسببت بها ولا عدد الضحايا الذين سقطوا ومازالوا يسقطون جرّاء استمرار تسلطها.

وعلى ذلك يجب أن يفهم أهل العامة أن دعوتنا إياهم لنبذ هذا الدين المنحرف وراء ظهورهم لا تنطلق من عداوة أو خصومة، بل تنطلق من حرص على مصلحتهم الدنيوية والأخروية، ولا يجب أن تثير هذه الدعوة أية حساسية، فأن تصحوَ اليوم بصخب الحق خير لك من أن تظل نائما بمخدِّر الباطل!


شورى الفقهاء عزة ومجد..

• لتحقيق العزة والمجد لشيعة أمير المؤمنين صلوات الله عليه في هذه المرحلة الزمنية، ليس أمامنا سوى السعي لتطبيق أطروحة شورى الفقهاء المراجع التي نادى بها السيد إمام المظلومين الشيرازي رضوان الله عليه وكانت إحدى أمنياته الثلاث التي لم يستطع تحقيقها وعبَّر قبل أيام من ارتحاله عن شعوره بالأسى لأنه سينتقل إلى جوار ربه دون تحقيقها. إن هذه الأطروحة الحضارية ذات مضامين لا تضاهي روعتها أية أطروحة أخرى لتوحيد الشيعة، والمسألة تبدو في أساسها بديهية حيث لو أمكننا توحيد القمم الشيعية فإن القواعد ستتوحد تلقائيا وسيزول ما بينها من تشاحن بسبب الاختلاف في التقليد وقولبته في إطاره السياسي، فإن الاختلاف بحد ذاته لم يكن موجبا يوما ما لحدوث هذا التشاحن، لأن الشيعة اعتادوا على تعدّد المرجعية، ولكن قولبة مسألة التقليد في إطارها السياسي وتحويلها إلى مادة سياسية هو ما كوّن هذه الحالة من التشاحن والاحتكاك السلبي، وأطروحة شورى الفقهاء تقضي على هذا الخلل من خلال إعادة القولبة في إطار توحيدي جامع، وهذا هو المطلوب.

علاوة على ذلك فإن من أبرز حسنات هذه الأطروحة أنها تجمع الطاقات وتصبها في خدمة المصلحة الشيعية العليا. وإني أعتقد جازما أن كل يوم يمر دون انطلاق هذه النظرية إلى أرض الواقع هو يوم ضائع على الأغلب.


خلاف مبدئي لا شخصي..

• في عملية فرز الحق عن الباطل؛ يجب علينا أن نستوعب أنها ليست عملية سهلة، بل هي صعبة إلى أبعد حد يمكن أن يتصوره الإنسان. ولولا أن كانت عملية الفرز هذه صعبة؛ لما وجدنا النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ينبئنا عن زمان يرى فيه الناس الأمر بالمعروف أمرا بالمنكرّ، والنهي عن المنكر نهيا عن المعروف! ولما حدثتنا روايات أهل البيت الميامين عليهم الصلاة والسلام عن أن (القابض على دينه – في ذلك الزمان – كالقابض على جمرة من نار)!

في هذا الزمن التعيس؛ اختلط الحق بالباطل إلى درجة استصعب فيها على الكثيرين التمييز بينهما. ومن هنا فإن أولئك الذين أخذوا على عاتقهم مهمة الفرز والتمييز، سيكونون معرّضين أكثر من غيرهم للتهم الباطلة، ليس إلا لأن عامة الناس تنظر إلى أن هؤلاء الذين ينهوْن عن المنكر؛ أنهم ينهوْن عن المعروف الذي يتوهمون أنه معروف!

وتأسيسا على ذلك؛ يجب أن يتضح للكافة أننا ما كنا يوما على خلاف مع أشخاص بحد ذواتهم، ولا يهمنا أن ندخل في صراع مع جهة من الجهات، سواء كانت تلك الجهة سلطوية أو سياسية أو حزبية أو تيارية مرجعية أو ما شابه. وإنما نحن على خلاف مع مواقف ومسارات وأفكار وتصرفات نراها على النقيض من العقيدة والولاء والحق والمعروف.

هذا ما نؤمن به؛ أن يكون الخلاف خلافا مبدئيا له مبرراته الشرعية ومسوغاته المنطقية. وما دام قرارنا بأن يكون أي خلاف مبدئيا؛ فإننا يجب أن لا ننظر إلى الأشخاص في اتخاذ الموقف الخلافي، بل أن ننظر إلى المعايير الإسلامية فحسب. على أنه لو وُجد لنا خلاف مع جهة أو أحد، فإن المدقق فيه لن يراه إلا خلافا مع موقف أو مسار، وليس خلافا مع شخص. وليس الغرض التصيّد بمقدار ما يكون القصد التنبيه والتحذير والتصدي. وإذا كان ذلك "التنبيه والتحذير والتصدي" لا يعجب الذين يتبعون ويقلدون بغير هدى؛ فذلك شأنهم لا شأننا.

إن الخلاف المبدئي لا يخل بالوحدة الشيعية، فالوحدة بين المؤمنين أتباع أهل بيت الوحي والعصمة (عليهم الصلاة والسلام) ينبغي أن ترتكز على أرضية الإيمان بالتعددية، ويجب أن تحددها وظائف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يستلزمه ذلك من السعي إلى تقويم الاعوجاج.

إن غاية أملنا أن نرى الشيعة في العالم قوة واحدة متماسكة، ولولا حرصنا على ذلك لما دعونا إلى تطبيق أطروحة "شورى الفقهاء" لأننا إذا استطعنا توحيد القمم المرجعية كما تدعو له الأطروحة، فستتوحد القواعد بشكل تلقائي طبيعي، ويتحقق الانسجام والتوافق في ما بين مختلف التيارات والاتجاهات الدينية. نسأل الله تعالى أن يتحقق ذلك في القريب العاجل ببركة الوجود المقدس لمولانا صاحب الأمر صلوات الله عليه.


استكمال الرجولة يوم العاشر..

• يقع في عيني من يمتنع عن مواساة سيد الشهداء (عليه الصلاة والسلام) بدمه يوم العاشر من المحرم بمظهر ناقص الرجولة، سيما إذا لم يكن عنده عذر سوى سوى الخوف أو الحرج أو الوهم، ذلك لأن الرجولة تظهر في مثل هذه المواقف.

وليس الأمر تحاملا من عندي، فإني أعلم بأن بعضهم سيشنّعون عليّ كثيرا بسبب هذه الكلمة، وستراهم يقولون: ”انظروا إليه كيف يتهمنا في رجولتنا لأننا فقط لا نطبّر“! ولكن هذه هي الحقيقة وهذا هو الواقع، مع اعتذاري.

أما لماذا أقول أن من لا يطبّر فرجولته ناقصة، فبعيدا عن الفلسفة الشرعية للتطبير وبعيدا عن مناقشة استحبابيته التي تدل عليه الأدلة الشرعية، فإن التطبير نوع من أنواع إثبات الاستعداد النفسي والبدني لفداء سيد الشهداء (صلوات الله عليه) ونصرته والتضحية لأجله بالغالي والنفيس، وليس ثمة أغلى من الروح. ومن يمتنع عن ذلك خوفا أو رهبة من مشاهد الدماء المسالة فلا شك بأن رجولته ناقصة.

إنه أيضا نوع من التدريب، فهو بمثابة التدريبات العسكرية التي يجريها المجنّدون عسكريا، إذ يكون حسن بلائهم في تلك التدريبات ـ برغم مشقتها ـ دليلا على رجولتهم وشجاعتهم واستعدادهم لخوض الحرب في سبيل الوطن وإثباتا لولائهم له.

والذين يزعمون أن التطبير بلا فائدة؛ عليهم أن يدققوا النظر في تلك التدريبات العسكرية وفوائدها، فإن من أعظم فوائدها إزالة الخوف والرهبة من قلوب المجنّدين، وتوطينهم على القتال ومواجهة الحرب، وزرع قيمة الاستبسال في نفوسهم.

والذين يرفضون التطبير بزعم أنه يسبب إضرارا في النفس ـ رغم أنه لا إضرار واقعا ـ هلاّ اعترضوا على كل تلك التدريبات العسكرية والمناورات الميدانية وطالبوا بوقفها لأنهم يروْن كمّ الإصابات والأضرار التي تسببها للأفراد والتي تصل في أحيان كثيرة إلى حد القتل الخطأ في المناورات الحربية التدريبية؟! أليس هذا يهون ـ في عرفهم ـ في سبيل التدريب على حمل السلاح والاستعداد لمواجهة أي عدو محتمل؟! فلماذا ينكرون على المطبّرين قيامهم بهذه التدريبات لتطويع النفس وتدريبها على المواجهة والاستعداد لنصرة صاحب العصر (أرواحنا فداه) حال ظهوره الشريف؟! ليكن فيها شيء من الضرر ـ جدلا ـ فما الضير إذا كان الهدف أهم وأولى وأسمى؟!

لعلهم سيقولون الآن: ”إنه لو صدق أنه تدريب لسلّمنا.. لكنه استعراض لا أكثر، وإلا فلا يمكن مواجهة الآلات العسكرية الحديثة بآلة السيف القديمة“! وسيكون جوابنا: يبقى السيف رمز القوة والبطولة، وتبقى مزية التطبير في التدريب النفسي أكثر من البدني، فجرح النفس بحد ذاته وإسالة الدم بحد ذاتها يزيلان الخوف من النفس، وهذا ما يُراد. وبعدُ.. يبقى سيف ذو الفقار بيد صاحب العصر (عليه السلام) وبه سينتصر، فالله أعلم كيف ستكون سيوف المطبّرين يوم ظهوره ولعل الله (تبارك وتعالى) يجعل لتلك السيوف التي هي بيد أنصار وليّه ما ينسف آلات العسكرة الحديثة إعجازا. ونزيد في القول: ليكن التطبير استعراضا.. فإن كل شعائر الإسلام استعراض في واقع الأمر لإظهار عظمة وهيبة هذا الدين في عيون الآخرين.

لا شك أن من كان يطبّر سيكون أكثر جرأة وشجاعة وأشد بأسا في الحرب حال ظهور الإمام المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) وأكثر اقتحاما في المعارك الإلهية، شأنه شأن ذلك المجنّد عسكريا المتلقي تدريبا جيدا، وقد أثبت ذلك أن انقداح شرارة المقاومة والانتصار على الصهاينة اليهود في جنوب لبنان إنما كان بدم المطبّرين في النبطية، فمن هناك ومن ذلك اليوم ومن ذلك الموقف انطلقت المقاومة. فالتطبير إذن يوطّن النفس على القتال، ويحيي الرجولة في الرجال، ويروي الشهامة والبطولة والفتوة في النفوس.

أما غير المطبّر فسيعتريه الخوف على الأغلب وسيتراجع عن مواجهة العدو، وحتى لو أقدم على ذلك فلن يحسن بلاءً كما هو شأن المطبر الفدائي. وإن عدوّنا عظيم الخطر يوم يظهر صاحب العصر (صلوات الله عليه) وعلينا أن نستعد جيدا له من الآن، وليس أعظم من الاستعداد النفسي الذي يحققه التطبير، فإن النفس لو استعدت؛ لحقها البدن بالاستعداد.

كن جاهزا يا هذا.. طبّر وتطهّر بدمك يوم العاشر فإنها دماء الحسينيين!

شارك المقال على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp