ما ردكم على دعوى أن الأئمة عليهم السلام ما كانوا يلتزمون بالقواعد النحوية في حواراتهم مع الناس؟

شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp

ما رأيكم في التفصيل الذي كان يذكره بعض الفضلاء حول صحة الاحتجاج اللغوي بخطب الأئمة عليهم السلام الذين عاشوا بعد عصر الاحتجاج دون حواراتهم اليومية مع عامة الناس، حيث كانوا يراعون القواعد اللغوية في خطبهم ولكنهم كانوا يتكلمون في حواراتهم كما كان يتكلم الناس فم يكونوا يراعون القواعد حينئذ، ومثل هذا وإن كان لحنًا ولكن لا إشكال فيه بل هو مقتضى الكلام بلسان القوم. هل هناك روايات تثبت أو تنفي مثل هذا التفصيل؟ شكرًا لكم شيخنا الفاضل.


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

جواب المكتب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بمراجعة الشيخ،

هي دعوى لا يشدها برهان متين، فليس قولهم عليهم السلام: «أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم» إلا بمعنى تبسيط البيان؛ لا بمعنى متابعتهم على لحنهم. ولقد كان اللحن في عصور حضور المعصومين عليهم السلام غير شائع في أصحابهم حتى يصح ادعاء جريانهم عليه من باب مقتضى الكلام بلسان القوم.

ولا يُستدل بما عن ربعي عن محمد بن مسلم قال: «قرأ أبو عبد الله عليه السلام: (ولقد نادينا نوحا) فقلت: نوح! ثم قلت: جعلت فداك؛ لو نظرت في هذا - أعني العربية - فقال: دعني من سهككم» أي من ريحكم الكريهة! فإن الخبر مأخوذ من كتاب (التنزيل والتحريف) للسياري التالف، الذي صدر التوقيع الشريف بنبذه والتحذير منه و«أنه ليس في المكان الذي ادعاه لنفسه». ولقد كرر السياري الخبر بصيغة مقاربة عن ربعي عن حويزة بن أسماء، وتلك أمارة تركيب الأسناد ووضع المتون. على أن الخبر لا ينفع صاحب الدعوى لأنه ليس من قبيل مجاراة القوم في لحنهم، إذ فيه العكس وهو أن الإمام يلحن وصاحبه يصحح له! وهذا على أن الخطأ في (نوح) فحسب دون (نادانا) كما هو ظاهر السياق، أما مع أن يكون الخطأ في (نادانا) أيضا وتتحول إلى (نادينا) كما هو مرسوم؛ فذلك مما لا يمكن تصديق صدوره من أدنى مَن له معرفة بالكتاب العزيز، فكيف بالإمام المعصوم عليه السلام؟! لأن تتمة الآية: (فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) وهي قاضية - بداهةً - بأن المنادي هو نوح عليه السلام لا الرب تبارك وتعالى!

وكذا لا يُستدل بما عن علي بن بلال وأبي يحيى النعماني قالا: «ورد كتاب من أبي محمد عليه السلام ونحن حضور عند أبي طاهر بن بلال، فنظرنا فيه فقال النعماني: فيه لحن أو يكون النحو باطلا! وكان هذا بسر من رأى، فنحن في ذلك حتى جاءنا توقيعه: ما بال أقوام يلحِّنوننا؟! وإن الكلمة يُتَكَلَّمُ بها تنصرف على سبعين وجها، فيها كلها المخرج منها والمحجة». فإن هذا لا ينفع صاحب الدعوى أيضا، لأن غايته خفاء وجه النحو والإعراب الصحيح على أبي يحيى النعماني، لا أن اللحن واقع حقيقةً في الكتاب. ثم إن الخبر في باب المعاجز إذ ورد الكتاب الثاني للزكي العسكري عليه السلام والقوم في خوضهم في كتابه الأول! فكان عليه السلام مطلعا على ما يدور بينهم مع كونه بعيدا عنهم.

والحاصل؛ أن هذه الدعوى غير ناهضة، وهي مصادمة لقولهم عليهم السلام: «أعربوا كلامنا فإنا قوم فصحاء» وما بنحوه، فإنه لولا أنهم عليهم السلام ما كانوا يتكلمون إلا بالفصاحة حتى في أحاديثهم اليومية وحواراتهم؛ لما كان منهم هذا التشديد على الإعراب الصحيح في النقل عنهم. وإن السابر لهذا التراث المنقول عنهم عليهم السلام لا يجد هذا الفرق المدعى بين خطبهم وبين أحاديثهم وحواراتهم، فكله يجري مجرى واحدا في الفصاحة الفائقة، إلى حد أن الخبير منا يستطيع تمييز ما دخل عليه من راوٍ أو ناسخ وما وضعه وضَّاع؛ بإرجاعه إلى مجرى هذا الكل وملاحظته أنه ناشز عنه، بعيد عن أدبهم عليهم السلام.

وفقكم الله لمراضيه.

مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى

3 شوال 1446 هجرية


شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp