السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سمعت من احد المعممين داخل الاوساط الشيعية المعروفين والمشهور بالثقة بالمواضيع التاريخية ان الامام الصادق صلوات الله عليه زرع بذرة التشييع ببلاد المغرب المعروفة اليوم بالمغرب العربي واخباره انه يوجد صاحب راية مضمونها انها ستقوم هنالك تقريبا. واضاف ان الامام الرضا صلوات الله عليه ساهم بمنع سقوطها. ما حقيقة هذا الامر تاريخيا" علما بانه قامت دولة شيعية وهي دولة الادارسة افيدونا مأجورين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بمراجعة الشيخ،
أما أن الصادق صلوات الله عليه قد بذر بذرة التشيع في بلاد المغرب؛ فقومٌ استدلوا على ذلك بما ذكره ابن خلدون: «وكان أصل ظهورهم بإفريقية دخول الحلواني وأبي سفيان من شيعتهم إليها، أنفذهما جعفر الصادق وقال لهما: بالمغرب أرض بور، فاذهبا واحرثاها حتى يجيء صاحب البذر. فنزل أحدهما ببلد مراغة، والآخر ببلد سوف جمار، وكلاهما من أرض كتامة، ففشت هذه الدعوة في تلك النواحي» (تاريخ ابن خلدون ج4 ص41).
بيد أن هذا الكلام إنما هو عن فشوِّ الدعوة الإسماعيلية، وهي متأخرة زمانًا عن الصادق صلوات الله عليه كما هو معلوم. وأصل هذا الكلام مأخوذ مما ذكره القاضي النعمان الإسماعيلي في كتابه (افتتاح الدعوة ص26) حيث قال: «ذكر السبب الذي تقدَّم إلى المغرب قبل قدوم الداعي إليه. قَدِمَ إلى المغرب في سنة خمسة وأربعين ومئة رجلان من المشرق قيل إن أبا عبد الله جعفر بن محمد صلوات الله عليه بعثهما وأمرهما أن يبسطا ظاهر علم الأئمة صلوات الله عليهم وينشرا فضلهم، وأمرهما أن يتجاوزا إفريقية إلى حدود البربر، ثم يفترقان فينزل كل واحد منهما ناحية» ثم ذكر قصتهما وكيف كان تشيُّع أهل مرماجنة وأهل الأُربس وأهل نفطة على يد أبي سفيان، فيما كان تشيُّع قبائل كُتامة ونفزة وسُماتة على يد الحلواني الذي نسب إليه أنه قال: «بُعثت أنا وأبو سفيان فقيل لنا: اذهبا إلى المغرب فإنكما تأتيان أرضا بورًا، فاحرثاها وكرِّباها وذلِّلاها إلى أن يأتيها صاحب البذر، فيجدها مذلَّلةً فيبذُر حبها فيها». ثم يقول القاضي النعمان: «فكان بين دخولهما المغرب ودخول صاحب البذر - وهو أبو عبد الله - مئة وخمس وثلاثون سنة».
وأبو عبد الله هذا هو داعي المهدي الإسماعيلي، وليس يُتصوَّر أن الصادق عليه السلام يصف هذا المحتال ويبشر به ويدعو لتمهيد الأرض له. وليس لدى القاضي النعمان إلا صيغة التمريض (قيل) في نسبة هذا إلى الإمام عليه السلام، فالخبر على هذه الحال لا يمكن التعويل عليه، بل هو معدودٌ في ما وضعه الإسماعيلية للتبشير بداعيهم، إلا أن يقال: إن أصل الخبر وأصل بعث الصادق عليه السلام للرجلين؛ لم يكن سوى لنشر التشيع الأصيل في المغرب، ولا سيما أن ما بين ذلك وبين ظهور الداعي الإسماعيلي مئة وخمس وثلاثون سنة كما قرَّر القاضي النعمان. وبعبارة أخرى: إن الإسماعيلية هم الذين زادوا ذكر هذا الداعي وتقوَّلوا على الصادق عليه السلام في تسميته بصاحب البذر. وهذا مجرد احتمال ليس في ما بين أيدينا ما يرجُّحه، ونحن لا نعرف الرجليْن في رجالنا، كما لا نعرف لهذا الخبر أثرا عندنا.
ولكن مع هذا؛ لسنا ننفي أن نمو التشيع في المغرب مدين للصادق عليه السلام بنحو ما وإن لم يصلنا تفصيله، ذلك لأن اقترانه عليه السلام بالسيدة حميدة المصفاة عليها السلام - وهي مغربية بربرية - يومئ إلى أن ثمة ما كان يتهيأ أو قد هيُّئ هناك حتى أصبح للتشيع في المغرب ظهور وانتشار عُدَّت به طنجة وما والاها أختا لقم والكوفة، وواحدة من ثلاث بلدات معروفة بالتشيع، إذ يقول الأشعري: «والتشيع غالب على أهل قم، وبلاد إدريس بن إدريس وهي طنجة وما والاها، والكوفة» (مقالات الإسلاميين للأشعري ص64).
ولولا هذه التهيئة لما كان لإدريس بن عبد الله أن يؤسس دولته بهذا اليسر بلا مؤونة، فإنه لقي استجابة طوعية من أهل المغرب حتى تنازل له عن الحكم أمير أوربة بعد أشهر قليلة من وصوله، وما ذلك - طبقا لبعض الباحثين - إلا لما كان عليه المغاربة من ولاء لرسول الله وأهل بيته عليهم السلام (دولة الأدارسة في المغرب للدكتور سعدون عباس نصر الله ص7).
وهذا الولاء الذي انتشر يعود الفضل فيه إلى رجل عالم قيل إنه أول من نشر التشيع هناك، وهو علي بن الحسين البجلي، وقد دفع حياته ثمنا لذلك، ففي (الأنساب للصحاري أو تاريخ العَوْتبي - وهو من الإباضية - ص507): «ومنهم علي بن الحسين الذي أدخل مذهب أهل البيت في المغرب، وانتهى إلى السوس، وبه يُعرف المذهب، حتى أنه لا يقال: شيعي، ولا يقال لمن تولى هذا المذهب إلا: علوي. كان من أحد علماء الناس في عصره، وكان متفننا في العلوم، كثير الرواية عن رجال أهل البيت، وقُتل بدرعة غيلة، وولده بها».
ولا يُخلَطَنَّ بين هذا وبين رجل آخر بجلي هو الحسن بن علي بن ورصند، فإنه داعية شيعي آخر، لكنه متأخر عن الأول. وقد حكى الناصبة - كالبكري وابن حزم - عنه مذهبا غريبا هو أن الإمامة تكون حصرا في نسل الحسن دون الحسين عليهما السلام! وأن أمير المؤمنين عليه السلام قد كفر - عياذا بالله - لأنه تخلى عن إمامته بعد تغلب أبي بكر ثم تاب بعدما نهض بها عقب هلاك عثمان! وأن الربا حلال! إلى غير ذلك من غرائب. وقد زادوا عليها أنه قد فتن أمير الأدارسة أحمد بن إدريس بن يحيى بن إدريس بن عبد الله. إلا أن ابن حوقل أثبت أن الرجل كان شيعيا إماميا قطعيا موسويا، أي يقول بإمامة موسى بن جعفر الذي هو من نسل الحسين عليهم السلام، وذلك بدلالة مَن أصابهم من أصحابه، إذ يقول عن أهل السوس: «وأهل السوس فرقتان مختلفتان: مالكيون أهل سنة، وموسويون شيعة يقطعون على موسى بن جعفر، من أصحاب [الحسن بن] علي بن ورصند» (صورة الأرض لابن حوقل ج1 ص91)، فمن هذا يُعلم هراء ما حكته عنه الناصبة عن الرجل. وعلى أية حال فلقد نجح البجليون في تأسيس دولة أو إمارة لهم بعد دولة الأدارسة، وكانت بطبيعة الحال إمامية قطعية موسوية اثني عشرية (الشيعة البجلية في المغرب الأقصى لوداد القاضي ج1 ص172).
أما الادعاء بأن الإمام الصادق عليه السلام كان وراء تأسيس دولة الأدارسة أو أن الإمام الرضا عليه السلام كان وراء منع سقوطها؛ فما هي إلا دعاوى دونها خرط القتاد، ليس لها صحيح استناد، إذ يلوذ أصحابها بما لا يصح عن أئمتنا، وبما هو من غير طرقنا، مما نُسب إليهم عليهم السلام من مدح لإدريس وتنويه به، كالذي نسبه أبو الفرج الأصبهاني إلى الكاظم والرضا صلوات الله عليهما في كتابه (مقاتل الطالبيين). ولقد كان أبو الفرج زيديا، كما كان إدريس زيديا، فلا عجب في أن يوافق شن طبقة.
ولقد بشروا عليهم السلام بظهور رجل مغربي بمصر وتملُّكه الشامات كعلامة من العلامات التمهيدية لظهور مولانا صاحب الأمر صلوات الله عليه، إلا أن الادعاء بأن رايته ستقوم هناك قريبا لا يعدو كونه تخرصا إلا أن يكون على نحو الرجاء.
وفقكم الله لمراضيه.
مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى
5 ذو الحجة 1447 هجرية