السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثر الكلام في الاونة الاخيرة بين احد اساتذة حوزة النجف الاشرف وانصار حزب الله حول مشروعية التحرك والقيام واقامة الاحزاب المسلحة في زمن الغيبة الكبرى ودار النقاش بين البعض حول رواية الاحلاس (كونوا احلاس بيوتكم) وبعض الروايات الاخرى التي تحمل نفس المضمون. فما تفسير هذه الروايات وهل فعلاً تنهى عن الخروج المطلق عن التقية في زمن الغيبة ام كما ذهبتم حضرتكم ان التقية ليست لكل الاوقات والموارد وكما ذهب العلامة المجلسي رضوان الله عليه. وهنا سؤال اخر اذا امكن، هل العلامة المجلسي وعلماء الشيعة المعاصرين للدولة الصفوية اعترضوا على ملوك الدولة بسبب حروبهم وزجهم الشيعة بالاناضول للتمرد على الدولة العثمانية والخروج عن التقية بشكل عام واعلان الجهاد تارة على النصارى في القوقاز وتارة على اهل الخلاف في العراق والاناضول افيدونا مأجورين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بمراجعة الشيخ،
في هذه الروايات أفرط قومٌ وفرَّط قومٌ.
أما المُفْرِطون فذهبوا إلى الإطلاق الأحوالي المانع من أي تحركٍ سياسي أو عسكري منافٍ للتقية أو تصدٍّ لإقامة الحكومة في زمان الغيبة، وهؤلاء هم الذين على الخط التقليدي في حوزتي النجف الأشرف وقم المقدسة، تراهم في انزواءٍ قد تركوا معه مصير هذه الطائفة تتقاذفه الظروف وأهواء المتغلبين، فإذا جاء متغلِّبٌ خفَّفَ الوطأة؛ قالوا: احمدوا الله على النعمة، وإذا جاء آخرُ شدَّدَها؛ قالوا: اصبروا على البلاء. وهم على هذا إلا في ما ندر، حتى وإن هُدِمتْ مقدسات وسُفِكت دماء واستبيحت أعراض، فلا مستقبَلًا عند هؤلاء يُخَطَّطُ له، ولا سعيًا لتحرير الإنسان الشيعي من الاضطهاد الذي يعيشه حتى في أقطاره. فهؤلاء المُفْرِطون.
وأما المُفَرِّطون فقد فرَّطوا بهذه الروايات، إما بدعوى ضعفها، وإما بتأويلها وصرفها إلى صُروفٍ بعيدة. ومنهم العراة من الإيمان والأدب؛ الذين لألسنتهم يطيلون، وبهذه الروايات يستخِفُّون، وبمفردات (الحلس) و(ابن اللبون) يستهزئون! مع أن الكلامَ كلامُ أئمة الهدى صلوات الله عليهم! فهؤلاء المفرِّطون، الذين هم على الخط الشاذ عن الحوزة الذي خطَّه خميني. تراهم متعجرفين في طيشٍ واندفاعٍ وإشاطةٍ بالدماء، وقد جمعوا مع ذلك انحرافات عقدية ومنهجية خطيرة، تجعل الولاء السياسي مقدَّمًا على الولاء الديني، والبراءة السياسية مقدَّمَةً على البراءة الدينية، وحفظ النظام أولى من حفظ حياة إمام الزمان! وأبا حنيفة - لتأييده زيدًا ومحمدًا - من أهل الإيمان! وقد صرفوا هذه الطائفة عن الأولويات الشرعية في إنقاذ الأمة من براثن السقيفة، وأبعدوها عن معركتها الحقيقية الدائرة مدار الولاية والبراءة والتمهيد لظهور الإمام عليه السلام، وزَجُّوا بها في معارك ليست بذات أولوية، بل في محن ونكبات، أدَّتْ إلى هزائم وانحسارات، يصوِّرونها لقطيعهم من الانتصارات! كما كان صدَّام يطلق على أم هزائمه: أم المعارك الخالدة! لا لشيء سوى أنه قد نجا منها إلى حين، وهؤلاء القوم مثله، ينتشون مع كل ضربة ينجون منها ويعدُّون أنفسهم قد انتصروا وإنْ هلك العباد وخربت البلاد، وقد أخذتهم سكرة الانفصام عن الواقع أخذًا بعيدًا، بعدما أخذهم إبليس وامتطاهم ليزيِّفوا التشيع ويضفوا عليه نكهة زيدية وأخرى صوفية ويعيدوا إحياء البترية! وعلى إثر ذلك ما عادوا يعبأون بشيء مما يجرُّونه على مستقبل هذه الطائفة من الويلات التي تهددها تهديدًا وجوديًّا في غير صقع، فالمهم بقاء هيكل النظام، وإن لم يعد وجودٌ لما يُفترض أنه أقيم من أجله، فإنك لم تعد ترى الإسلام حقًّا في شوارع عاصمته طهران!
وكُلًّا أخطأت استه الحفرة! المُفْرِطون والمُفَرِّطون. ذلك لأن استفاضة الروايات الناهية عن الخروج تغني عن المناقشة في أسنادها، على أن فيها ما هو صحيح ومعتبر. وأما تأويلها تلك التأويلات البعيدة من قبيل الادعاء بأن المراد بها العمل السري على إقامة الحكم الإسلامي.. فهو هراء بَيِّن. ومثله في الهراء استدلالهم بهذا الخبر على تجويز الخروج، وهو ما عن الصادق عليه السلام وفيه: «إن أتاكم آتٍ مِنَّا فانظروا على أي شيء تخرجون، ولا تقولوا: خرج زيد؛ فإن زيدًا كان عالمًا وكان صدوقًا ولم يدعكم إلى نفسه، إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد عليهم السلام، ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه. إنما خرج إلى سلطانٍ مجتمعٍ لينقضه، فالخارج مِنَّا اليوم إلى أي شيءٍ يدعوكم؟ إلى الرضا من آل محمد عليهم السلام؟ فنحن نشهدكم أنَّا لسنا نرضى به، وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد، وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع مِنَّا. إلا مَن اجتمعت بنو فاطمة معه، فوالله ما صاحبكم إلا مَن اجتمعوا عليه» (الكافي ج8 ص264).
وإنما استدلوا بهذا الخبر بدعوى أنه إذا خرج خارجٌ كزيدٍ في العلم والصدق والوفاء ولم يدعُ إلى نفسه بل دعا إلى الرضا من آل محمد عليهم السلام؛ فإن ذلك مشروع مطلوب. قال البالون الأبله محسن آراكي ما حاصله مترجَمًا: «ويُستفاد من هذه الرواية ما استفدناه من الرواية السابقة. فهاتان الروايتان، وروايات أخرى متعددة سنتعرض لها في ما بعد، تُثبت بالتواتر الإجمالي أن الخروج على الحكام الجائرين بقصد إقامة حكومة (الرضا من آل محمد ص) أي الحكومة التي تقوم على أساس قيادة الأئمة الأطهار عليهم السلام وتكون رايتُها المرفوعة رايتَهم المرفوعة، لا رايةً في عَرض رايتهم، لم يقع موردًا للنهي قط، بل حظي بتأييدٍ مؤكَّد من الأئمة الأطهار عليهم السلام» (فقه نظام سياسى اسلام ص240).
وأنت ترى بأن هذا الكلام على عكس ما كان صدور هذا الخبر ونظائره لأجله! وهو أن لا يحتج أحدٌ بصنع زيد فيخرج كما خرج أو يغتر بمن يخرج وإن ادَّعى خروجه للرضا من آل محمد عليهم السلام، إذ إنهم عليهم السلام لا يرضون بالخروج قبل قيام الصاحب المجتمَع معه عجَّل الله فرجه، وذلك قوله عليه السلام: «ولا تقولوا: خرج زيد (…) إلى أي شيءٍ يدعوكم؟ إلى الرضا من آل محمد عليهم السلام؟ فنحن نشهدكم أنَّا لا نرضى به (…) إلا من اجتمعت بنو فاطمة معه».
ومع ذلك؛ فإنه ليس لهذه الروايات إطلاق أحوالي يمنع من أي تحرك، ذلك لأن بعضها منصرف إلى الخروج المقرون بادعاء الإمامة أو المهدوية ولا سيما من البطنين كما تراه الزيدية، وبعضها الآخر منصرف إلى الانسياق مع الخارج بشعار الرضا من آل محمد عليهم السلام، الموهم أنه على اتصال بهم، كما أوهم العباسيون بعض الشيعة بذلك فاغتروا بهم وأعانوهم حتى تمكَّنوا، وبعضها الثالث منصرف إلى الاستعجال المعبَّر عنه في الروايات بـ «هلكت المحاضير» وهي الخيل الراكضة المشتدة في عَدْوِها، وبعضها الرابع منصرف إلى غلبة الفتنة حيث يقع الإنسان في الكفر، كما عن الباقر عليه السلام إذ يقول له الحكم بن عتيبة: «سمعنا أنه سيخرج منكم رجل يعدل في هذه الأمة؟ فقال: إنَّا نرجو ما يرجو الناس، وإنَّا نرجو لو لمْ يبقَ من الدنيا إلا يومٌ واحدٌ سيطول ذلك اليوم حتى يكون ما ترجو هذه الأمة، وقبل ذلك فتنة، شر فتنة، يمسي الرجل مؤمنًا ويصبح كافرًا، ويصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا، فمن أدرك ذلك منكم فليتَّقِ الله وليُحرز دينه، وليكن من أحلاس بيته» (السنن الواردة في الفتن ص161). وبعضها الخامس منصرف إلى الخروج تحت راية ضلال أو في هوى، وبعضها السادس ناظرٌ إلى حقن دماء المؤمنين من أن تذهب سدى في ما لا مصلحة للدين فيه أو في ما كان ضرره أعظم من نفعه. وبعضها السابع ناظرٌ إلى حفظ مقام الإمامة من الضرر جرَّاء خروج المعروفين بالتشيع، فيقول السلطان: لولا أن إمامهم حرَّضهم لما خرجوا.
ثم إنه ليس كل تحرك سياسي أو عسكري يعدُّ في مثل زماننا (خروجًا) على النحو الذي نهت عنه الروايات، فإن العالَم قد تغيَّر وتغيَّرت معه المفاهيم والاعتبارات، وما كان يعد في ذلك الزمان (خروجًا) بأدنى تباين عن السلطان في الأرض أو تصرف مضاد؛ قد أصبح في مثل هذا الزمان متفهَّمًا مستوعَبًا في كثير من الفروض تحت عنوان (المعارضة)، بل ولو كانت (معارضة مسلحة). والأقرب للتفهم والاستيعاب ما إذا كان العنوان (مقاومة) تدعي أنها تحت عباءة الدولة، وإن خالفت سياسة حكومتها أو رفضت الامتثال لأمرها. وليس هذا التغيُّر في المفاهيم والاعتبارات مقصورًا على زماننا الحديث، فلقد وقع مثله في أزمنة سابقة، كالذي كان في العصر العباسي الثاني على سبيل المثال، حين كان لمن هو قادر على أن يشكل جماعة مسلحة تنجح في فرض سيطرتها على الأرض أن يخرج في نظر السلطة الاعتبارية (أي الخليفة عندهم) من حيز (الخروج) إلى حيز (الاعتراف) فيخلع عليه الخليفة المزعوم رداء الشرعية وينصبه حاكمًا قهرًا، وهذا ما فعله بنو بويه، وهم قوم متشيعون لا يُنْكَرُ أنْ لولا إقدامهم في هذا لما تخلص شيعة العراق مما كانوا يعانون منه من اضطهاد وجور، بل لَما كان العراق على التشيع الذي عُرِف به في ذلك الزمان وما تلاه، وهذه مصلحة عظمى للدين بلا مرية. ولو كان بنو بنويه أو مَن ساندهم من علماء ذلك الزمان قد فهموا من هذه الروايات حرمة الخروج وترك التقية حتى في مثل الواقع الذي كانوا فيه؛ لَما تحقق شيء من هذه المصلحة إن التزموا بهذا الفهم.
وعليه؛ فإن منع التحرك وإقامة الدولة أو تأسيس الأحزاب والفصائل وإن كانت مسلحة؛ يكون مع انتفاء هذه الفروض والمحاذير المزبورة؛ من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع. بل حتى مع عدم الانتفاء؛ فإن المنع يرتفع في فرض ما لو كان الالتزام بالقعود والتقية مفضيًا إلى الفساد في الدين، للقيد الذي ورد في كلامه عليه السلام: «فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز» (الكافي ج2 ص168). وكذلك يرتفع المنع في فرض خوف الاندراس الذي ورد في كلامه عليه السلام: «إذا كان ذلك كذلك فلا يقاتل عن هؤلاء، ولكن يقاتل عن بيضة الإسلام، فإن في ذهاب بيضة الإسلام دروس ذكر محمد صلى الله عليه وآله» (قرب الإسناد ص345).
ومما يؤيد عدم إطلاق المنع، خبر السرائر: «ذُكر بين يدي أبي عبد الله عليه السلام مَن خرج من آل محمد صلى الله عليه وآله فقال: لا أزال أنا وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد، ولوددت أن الخارجي من آل محمد صلى الله عليه وآله خرج وعَلَيَّ نفقة عياله» (السرائر ج3 ص569) لكن الخبر مبتلى بأنه منقول عن كتاب السياري المجروح المطعون مجفو الرواية، وبجهالة الراوي أيضا. وعلى فرض التسليم به فهو محمولٌ عندنا على المشاغلة مع البينونة، أي أن يشاغل الخارجي من آل محمد صلى الله عليه وآله السلطان مع بينونته عن الإمام الحق فلا يقع على الإمام ولا على شيعته ضرر، وهكذا كان أمر كثيرٌ من أولئك الخارجين من الآل في ذلك الزمان.
هذا؛ ولكن العدل والإنصاف يقضيان بأن استفاضة النهي عن الخروج والقيام مع عدم التخصيص إلى حين الظهور؛ يومئ إلى أنه سيكون هو سيرة المتشرعة في عمود الزمان كأصل أو مجرى عام، وأن مدافعة السلطة القائمة ليس من شأنهم ما لم يكن خوفٌ على الدين يدفعهم للخروج عن هذه السيرة في موارد الاستثناء. ثم إن هذا الخوف والتكليف الذي يترتب عليه إنما يشخصه الفقيه الجامع للشرائط لا أي أحد، لأن الفقيه هو سلطان الإسلام الذي فُوِّضَتْ إليه الأمور الإجرائية. قال المفيد رحمه الله: «فأما إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله، وهم أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله، ومن نصبوه لذلك من الأمراء والحكام، وقد فوَّضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان» (المقنعة ص810).
والرأي عندنا أن أي نظام حكم يحقق الأدنى مما يحفظ الحياة الدينية والمعيشية للناس؛ هو نظام مُمْضى شرعًا، فراجع في تفصيل ذلك (دولة الأكارم) إن شئت.
والحاصل أنَّا في روايات الأحلاس ولزوم البيت وابن اللبون ونظائرها؛ على الخط الوسط بلا إفراط ولا تفريط، وهي مصنَّفَةٌ عندنا تحت (التقية السياسية) التي لها مبحث آخر غير (التقية الدينية)، وبينهما اختلاف، فعلى سبيل المثال؛ المتاركة والمهادنة في الأُولى أصلٌ أو مجرى عام، فيما الخَطَّان المتوازيان في الأخرى هو الأصل والمجرى العام، مع أولوية الصدع والجهر والإعلان. وتفصيل الكلام في هذا يحتاج إلى بسط فقهي ليس هذا محله، وقد سبق التعرض لشيء منه في (حل الإشكال).
أما دعوى أن العلامة المجلسي وعلماء العصر الصفوي كان قد أنكروا على الملوك ترك التقية وزجَّهم الشيعة في الحروب مع العثمانيين والنصارى وأهل الخلاف؛ فلم تقع أعيننا على ذلك، وعبء إثباته على مدِّعيه، ونستبعده جدا، ولا سيما من العلامة المجلسي بحسب اطلاعنا على سيرته، فإنه لم يعاصر اشتداد هذه الحروب حتى يكون موقفه ما يُدَّعى.
وفقكم الله لمراضيه.
مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى
24 ربيع الآخر 1448 هجرية